السيد كمال الحيدري

168

المعاد روية قرآنية

مع مقام هذه الأبحاث . أوّلًا : شواهد من الكتاب الشاهد الأوّل : قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( الأنعام : 75 ) . فإذا ضممنا إليه قوله تعالى : فَسُبْحَانَ الَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ ( يس : 83 ) ينتج أنّ الملكوت ليس أمراً مادّيّاً ؛ لأنّه متقوّم بيده التي ليست بجسم ولا جسماني ، فيكون المدرِك الذي يرى الملكوت المجرّد أمراً مجرّداً كذلك ؛ إذ لا معنى لإدراك أمر مادّى لأمر غير مادّى سيّما وإنّ العلم والإدراك هو حضور المدرَك للمدرِك ، إذن فالرؤية للملكوت ليست رؤية مادّية وإنّما هي رؤية تتناسب مع نشأة المرئى ، ورؤية الملكوت هذه ليست حكراً على الأنبياء كإبراهيم عليه السلام ، بل الطريق مفتوح أمام الكلّ ، غير أنّ الأنبياء والأوصياء عليهم السلام سيّما النبىّ الخاتم صلى الله عليه وآله قد بلغوا من هذه الرؤية مبلغاً لا يصل إليه أحدٌ غيرهم . الشاهد الثاني : قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَكِينٍ . . . ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ . . . ( المؤمنون : 14 12 ) . محلّ الشاهد قوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فإنّ التعبير بالإنشاء بدل الخلق يدلّ على حدوث أمر حديث غير ما كان في العمليّات التي تواردت عليه سابقاً ، حيث إنّ مورد العمليّات من خلق وجعل وإنشاء هو شىءٌ واحد على ما يُفهم من السياق ، والذي يؤكّد ذلك أكثر هو وصف هذا المخلوق المنشأ إنشاءً بالآخر « أي بُدِّل وهو مادّة ميّتة جاهلة عاجزة موجوداً ذا حياة وعلم وقدرة . . . فهو تلك المادّة السابقة فإنّها التي صارت إنساناً ، وليس بها ؛ إذ لا يشاركها في ذات ولا صفات ، وإنّما له نوع اتّحاد وتعلّق بها